الفصل2"غابة الهمسات وغلبن العصفورة"
لم يكن بيتي يعرف كم مضى من الوقت وهو يركض بين الأزقة المظلمة لبلدة بوتسفيلت، تلك البلدة الغريبة التي امتلأت شوارعها بقرع مضاء بعيون تتوهّج كأنها تراقبه. كان الهواء ثقيلاً… وكأن كل بيت، كل نافذة، كل ظلّ يريد أن يخبره: أنت لست من هنا… عد من حيث أتيت.
لكنه لم يعد يريد العودة.
أخوه كريغ هناك… خلف شيء لا يفهمه، خلف حائط لم يكن سوى جدار في الحديقة قبل ساعات قليلة.
وبينما كان يتقدم، تسللت إلى أنفه رائحة تراب رطب… وسمع صوت خطوات خفيفة خلفه. توقف، التفت ببطء، فإذا بظل صغير يرتجف عند مدخل الطريق. اقترب بيتي، وقلبه ينتفض… حتى ظهرت ملامح كريغ، عابساً، متسخاً من التراب، وملابسه ممزقة قليلاً لكنه حيّ!
صرخ بيتي:
— "كريغ! وين كنت؟!"
ركض نحوه، وعانقه بشدّة حتى شعر بأن صدره سيتهشم.
تنفس كريغ بارتباك:
— "كنت… تحت… أو فوق… ما أعرف. المكان تغيّر عليّ. الجدار مو جدار…"
لم يكن هنالك وقت لشرح شيء، لأن شيئاً آخر بدأ يقترب…
صوت ارتطام خفيف… ثم آخر… ثم صف من اليقطين يتحرك وحده!
كانت القرعات تتدحرج نحوهما، ثم تتوقف فجأة، وتلتفت إليهما بعينين من نور برتقالي، وتنفتح أفواهها كأنها تبتسم ابتسامة واسعة وشريرة.
همس كريغ:
— "بيتي… أظنهم مو جايين يرحّبون."
أمسك بيتي بيد أخيه:
— "اركض!"
وانطلقا معاً بين البيوت الملتوية، بينما القرعات تقفز خلفهما بطريقة كرتونية لكنها مرعبة، يصدر عنها صوت طق… طق… طق كأنها ألعاب فقدت عقلها. تسلقا سياجاً خشبياً، مرّا بين زقاق ضيق ثم خرجا في نهاية الطريق حيث بدأت المباني تتلاشى، ومعها ضوء المدينة الغريب.
وأمامهما… ظهرت غابة لا تشبه أي غابة دخلاها في حياتهما.
كان هناك ضباب أخضر يطفو بين الجذوع، الأشجار طويلة بشكل غير طبيعي، جذورها ملتوية كالأصابع، وأوراقها تصدر همسات خفيفة كأن أحداً يتحدث من بين الأغصان.
قال كريغ وهو يتراجع:
— "لا تقول لي إننا بندخلها…"
رد بيتي:
— "خلفنا يقطين مسكون… قدامنا غابة مسكونة… الخيار واضح جداً."
ودخلا الغابة.
كل خطوة داخلها كانت تشبه الدخول إلى غرفة جديدة في عالم حيّ.
الأرض لينة، كأنها تتنفس.
الأغصان تتحرك ببطء حتى لو لم تهبّ أي رياح.
والهمس… الهمس كان يزداد.
وفجأة… سقط عليهم شيء صغير من بين الأغصان.
انحنى بيتي ليرى… فإذا بها عصفورة صغيرة ممتلئة الريش، رمادية مع خصلات زرقاء، وعيون واسعة جداً، أكبر بقليل من اللازم لتكون طبيعية.
رفرفت بجناحيها وصرخت:
— "أوووه! آسفة! آسفة! كنت أراقبكم… أقصد، أراقب الطريق! أقصد… لا أعرف ماذا أقصد!"
تبادل الأخوان النظرات.
قال كريغ بصوت منخفض:
— "حتى العصافير هنا تصيح بشكل غريب."
انتفخت العصفورة بفخر وقالت:
— "أنا اسمي كيلبن! خبيرة غابات، مستكشفة، وأعرف كل شيء عن هذا المكان… تقريباً."
اقتربت منهم، وضربت جناحها على رأس كريغ بخفة:
— "وعرفت إنكم غرباء. كلكم ريحتكم مثل البشر اللي يتوهون هنا."
رفع بيتي حاجبه:
— "وإنتِ… بتساعدينا؟"
طارت كيلبن حولهما بدوران سريع:
— "أكيد! وإلا وش كنت أسوي؟ أتفرج عليكم وأنتم تتعشّى عليكم الأشجار؟"
ثم أشارت بجناحها نحو ممر ضيق بين الجذوع:
— "تعالو وراي. لو بقعتّوا هنا، ما بتشوفون لا شروق ولا غروب… لأن الغابة ما تحب اللي يتأخرون."
ابتلع كريغ ريقه:
— "الغابة… ما تحب؟"
ضحكت كيلبن ضحكة قصيرة عالية:
— "أوه لا لا، ما تحب. بس تتغذّى."
صرخ الأخوان معاً:
— "تتغذّى؟!"
رفعت العصفورة جناحها بسرعة:
— "مو عليكم! مو عليكم! على أصواتكم! الغابة تتغذى على الهمس… والصراخ."
هنا، نظر بيتي إلى الظلال الممتدة حولهم، وإلى العيون الخفية التي يشعر بها رغم أنه لا يراها.
ثم أمسك بيد كريغ مرة أخرى.
— "خلاص. نمشي. وإنتِ يا كيلبن… لا تخلّينا."
رفرفت بجناحيها وقالت بثقة كرتونية مبالغ فيها:
— "وراي، وراني! لو تهتوا، إلقوني! ولو ما لقيتوني… هذا يعني أنكم تورّطتم مرة ثانية!"
ومعها بدأت رحلتهم داخل غابة الهمسات، تلك الغابة التي لن تكون مجرد طريق… بل بداية شيء أكبر، وأعمق، وربما أخطر مما يتصورانه.